وزير الدفاع الاسبق خليل الهراوي

الدولة المدنية : مسار لا قرار

عاد الكلام السياسي عن مفهوم الدولة المدنية ليُطلّ برأسه مقروناً هذه المرة بدعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري مشكوراً الى التحلي “بالجرأة والشجاعة لاتخاذ القرار لتحرير لبنان من سطوة الاحتلال العائلي والمذهبي“.

الكلام بمضمونه متفقٌ عليه ولا لُبس فيه. فالدولة المدنية هي مطلبُ غالبية اللبنانيين وطموحهم منذ اتفاق الطائف.

لكن، والحق يقال، فإن الطموح ذاك لم يرتقِ يوماً الى حدِّ الإتفاق العملي على البتِّ فيه، ولم يكن من محاولاتٍ في الأصل لوضعه على سكة التنفيذ، بل على العكس أحكمت القوى السياسية قبضتها على مفاصل الدولة عبر السنوات، وراحت تتقاسم مغانمها على قاعدةٍ مذهبية صرف بهدف رص الصفوف وضمان ديمومتها. والحال هذه زادت من عمق الهوّة ما بين الواقع المذهبي المتحكّم بنسيجنا المجتمعي والحلم المنشود بقيام دولة مدنية لا تتنازعها المصالح المذهبية.

والحديثُ عن “الجرأة” كان لا بد من ان يكون مقروناً بالأفعال منذ زمن بعيد. لكن الإرادة لتحقيق ذلك لم تكن يوماً متوافرة لعِلم القوى السياسية مجتمعة بأنّ في ذلك تهديداً لشعبيتها ومصالحها واستمراريتها، وأيّ كلام عن “دولة مدنية” بمفهومه القانوني، الاجتماعي والسياسي، يعني مساواةً في الحقوق والواجبات بعيداً من أي انتماء ديني أو عرقي حيث تكون “للمواطنة” الكلمة الفصل عند أي استحقاق. فمَن كان من القوى السياسية تلك ليقبل بالتخلي عن مكاسبه تحقيقاً لدولة مدنية بمفهومها البعيد من المحاصصة؟

إذا كانت الأحزاب ومؤسساتها الإجتماعية من كشفيةٍ وغيرها قد قامت على أساس مذهبي، وإذا كان الخطاب السياسي والخدمات المرافقة له تُسجّل للبنانيين على أنها إنجازات ومكاسب مذهبية، فكيف نكون قد هيّأنا مجتمعنا للترفُّع عن المذهبيات؟ كيف يُصار الى الدفع باتجاه قيام دولة مدنية ولم تسعَ الأحزاب السياسية بعد وهي المفروزة مذهبياً من رأس هرمها الى قواعدها، الى تكوين وعي ثقافي جماعي لتعزيز الحاجة الضرورية لقيامها؟

انّ الخروج من قوقعة “المذهب” نحو النظام المدني ليس قراراً بل هو مسارٌ على المجتمع اللبناني بكل مكوناته، وبقيادة قواه السياسية وفاعلياته الدينية والثقافية والاجتماعية، أن يتبنّاه ويتحمّل مسؤوليته.

ولو وُجِدت النيةُ الصادقة والإلتزام الجدي لارساء نظام حكم مدني، لكان ترافق ذلك مع دورات توجيهية وتثقيفية انطلقت منذ العام 1989.

لكن الانتقال اليوم بالذات الى دولة مدنية وسط الأجواء المذهبية القائمة المهيمنة على الشاردة والواردة في البلاد، لن يُعطي الهدف المرجو منها بل سيأتي بمفعول عكسي يُترجم ضرباً في الصميم لمفهومها ومزيداً من التقوقع الطائفي والمذهبي.

أمّا وقد تأخرنا في البتّ في مثل هذا المشروع العابر للطوائف، وإذا كان لا بدّ من أن نبدأ من مكان ما حتى نلمس جدية في الدعوة الى قيام الدولة المدنية، فلنبدأ بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية تنفيذاً لاتفاق الطائف، وبعدها… لكل حادث حديث.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق